منتديات صرخة الاقصى

مرحبا بكم في منتديات صرخة الآقصى
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 كيف نعالج الاخطاء؟

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
najat
المشرفة المميزة
المشرفة المميزة
avatar

عدد المساهمات : 857
تاريخ التسجيل : 13/12/2009

مُساهمةموضوع: كيف نعالج الاخطاء؟   الأحد أكتوبر 31, 2010 5:52 pm



كيف نعالج الاخطاء؟
===========

"أصلح عيوبك قبل أن تصلح عيوب الاخرين"

بسم الله نبدأ ...........

الخطأ سلوك بشري لا بد ان نقع فيه حكماء كنا او جهلاء .. وليس من المعقول أن يكون الخطأ صغيراً فنكبره .. و نضخمه.. ولابد من معالجة الخطأ بحكمة ورويه و أياً كان الأمر فإننا نحتاج بين وقت و آخر إلى مراجعة أساليبنا في معالجة الأخطاء .. ولمعالجة الأخطاء فن خاص بذاته .. يقوم على عدة قواعد .. أرجو منكم أن تقرؤها معي بتمعن ..


القاعدة الأولى :::

اللوم للمخطيء لا يأتي بخير غالباً تذكر أن اللوم لا يأتي بنتائج إيجابيه في الغالب فحاول أن تتجنبه .. وقد وضح لنا أنس رضي الله عنه انه خدم الرسول صلى الله عليه وسلم عشر سنوات ما لامه على شيء قط .. فاللوم مثل السهم القاتل ما أن ينطلق حتى ترده الريح علي صاحبه فيؤذيه ذلك أن اللوم يحطم كبرياء النفس و يكفيك أنه ليس في الدنيا أحد يحب اللوم ..


القاعدة الثانية :::

أبعد الحاجز الضبابي عن عين المخطئ ....
المخطئ أحيانا لا يشعر أنه مخطئ فكيف نوجه له لوم مباشر وعتاب قاس وهو يرى أنه مصيب .. إذاً لا بد أن نزيل الغشاوة عن عينيه ليعلم أنه على خطأ وفي قصة الشاب مع الرسول صلى الله عليه وسلم درس في ذلك حيث جاءه يستسمحه بكل جرأة و صراحة في الزنا فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : ( اترضاه لأمك ؟؟) قال: لا ... فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فان الناس لا يرضونه لأمهاتهم ) ثم قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( أترضاه لأختك؟؟ ) قال : لا فقال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم ) فأبغض الشاب الزنا


القاعدة الثالثة :::

استخدام العبارات اللطيفه في إصلاح الخطأ إنا كلنا ندرك أن من البيان سحراً فلماذا لا نستخدم هذا السحر الحلال في معالجة الاخطاء .. فمثلاً حينما نقول للمخطئ (لو فعلت كذا لكان أفضل..) (ما رأيك لو تفعل كذا..) (أنا اقترح أن تفعل كذا.. ما وجهة نظرك) أليست أفضل من قولنا .. يا قليل التهذيب و الأدب.. ألا تسمع.. ألا تعقل.. أمجنون انت .. كم مره قلت لك .. فرق شاسع بين الأسلوبين .. إشعارنا بتقديرنا و احترامنا للآخر يجعله يعترف بالخطأ و يصلحه


القاعدة الرابعة :::

ترك الجدال أكثر إقناعاً .. تجنب الجدال في معالجة الأخطاء فهي أكثر و أعمق أثراً من الخطأ نفسه وتذكر .. أنك بالجدال قد تخسر ..لأن المخطئ قد يربط الخطأ بكرامته فيدافع عن الخطأ بكرامته فيجد في الجدال متسعاً و يصعب عليه الرجوع عن الخطأ فلا نغلق عليه الأبواب ولنجعلها مفتوحه ليسهل عليه الرجوع .


القاعدة الخامسة :::

ضع نفسك موضع المخطئ ثم ابحث عن الحل حاول أن تضع نفسك موضع المخطئ و فكر من وجهة نظره و فكر في الخيارات الممكنه التي يمكن أن يتقبلها واختر منها ما يناسبه



القاعدة السادسة :::

ماكان الرفق في شئ إلا زانه.. بالرفق نكسب .. ونصلح الخطأ .. ونحافظ على كرامة المخطئ .. وكلنا يذكر قصه الأعرابي الذي بال في المسجد كيف عالجها النبي صلى الله عليه وسلم بالرفق .. حتى علم الأعرابي أنه علي خطأ..


القاعدة السابعة :::

: دع الأخرين يتوصلون لفكرتك.. عندما يخطئ الإنسان فقد يكون من المناسب في تصحيح الخطأ أن تجعله يكتشف الخطأ بنفسه ثم تجعله يكتشف الحل بنفسه و الإنسان عندما يكتشف الخطأ ثم يكتشف الحل و الصواب فلا شك أنه يكون أكثر حماساً لأنه يشعر أن الفكره فكرته هو..


القاعدة الثامنة :::

عندما تنتقد اذكر جوانب الصواب.. حتى يتقبل الأخرون نقدك المهذب و تصحيحك بالخطأ أشعرهم بالإنصاف خلال نقدك .. فالإنسان قد يخطئ ولكن قد يكون في عمله نسبه من الصحه لماذا نغفلها..


القاعدة التاسعة :::

لا تفتش عن الأخطاء الخفية.. حاول أن تصحح الأخطاء الظاهرة و لا تفتش عن الأخطاء الخفية لأنك بذلك تفسد القلوب ..و لأن الله سبحانه وتعالى نهى عن تتبع عورات المسلمين



القاعدة العاشرة :::

استفسر عن الخطأ مع إحسان الظن.. عندما يبلغك خطأ عن انسان فتثبت منه واستفسر عنه مع حسن الظن به فانت بذلك تشعره بالاحترام و التقدير كما يشعر هو بالخجل وان هذا الخطا لا يليق بمثله ..كأن نقول وصلني انك فعلت كذا ولا اظنه يصدر منك



القاعدة الحادية عشر :::

امدح على قليل الصواب يكثر من الممدوح الصواب .. مثلاً عندما تربي ابنك ليكون كاتباً مجيداً فدربه علي الكتابه و أثن عليه و اذكر جوانب الصواب فإنه سيستمر بإذن الله ..



القاعدة الثانية عشر :::

تذكر أن الكلمة القاسية في العتاب لها كلمة طيبة مرادفة تؤدي المعنى نفسه.. عند الصينيين مثل يقول .. نقطة من عسل تصيد ما لا يصيد برميل من العلقم.. ولنعلم أن الكلمة الطيبة تؤثر .. و الكلام القاسي لا يطيقه الناس..



القاعدة الثالثة عشر :::

اجعل الخطأ هيناً و يسيراً و ابن الثقة في النفس لإصلاحه .. الاعتدال سنة في الكون أجمع و حين يقع الخطأ فليس ذلك مبرراً في المبالغة في تصوير حجمه ...



القاعدة الرابعة عشر :::

تذكر أن الناس يتعاملون بعواطفهم أكثر من عقولهم و أخيراً... فن معالجة الأخطاء فن لابد أن ندرك أهميته


منقوووووووووول


==========================

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
مقبول حسون
الادارة
الادارة
avatar

عدد المساهمات : 2412
تاريخ التسجيل : 08/12/2009

مُساهمةموضوع: رد: كيف نعالج الاخطاء؟   الأحد نوفمبر 07, 2010 2:08 pm


















فقه التعامل مع الأخطاء على ضوء منهج السلف




الحمد لله المتفرِّد بالكمال والجلال ، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه ، والصلاة والسلام على النبي المعصوم وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

لما كان الخطأ صفة ملازمة للبشر لا يسلم منه إلا من عصم ، أحببت أن أضع بين يدي طلبة العلم خاصة والمسلمين عامة قواعد وضوابط للتعامل مع الأخطاء والعثرات مستقاة من هدي خير القرون والتابعين لهم بإحسان ، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم : "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ..." الحديث .

وقال الإمام مالك رحمه الله : "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها" والذي دعاني للكتابة في هذا الموضوع أمور عدة :

أولها : عدم التفريق بين الإثم والخطأ عند بعض الناس ، ربما كانا متلازمين عند بعضهم ، وهذا مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة ، بل هو مذهب ضلال المعتزلة ومن وافقهم .

قال شيخ الإسلام : "وأهل الضلال يجعلون الخطأ والإثم متلازمين" . وقال في موضع آخر : "أما الذين يقولون بأن المجتهد المخطئ آثم فهم أتباع بشر المريسي وكثير من المعتزلة البغداديين والقدرية ؛ لأن الخطأ والإثم عندهم متلازمة" .

وقد رفع الله الإثم عن الأمة فيما أخطأوا فيه كما جاء في الحديث : "إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" .

وروى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس رضي الله عنه قال : "لما نزلت هذه الآية {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ}[البقرة: 284] قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا" قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم ، فأنزل الله تعالى : {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا} (قال: قد فعلت) {رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا} (قال : قد فعلت) {وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا} (قال : قد فعلت) .

الثاني: المنهج النشاز الذي ظهر في هذه الأعصار من تتبع الأخطاء والعثرات للبراء والفرح بها مع نسيان الفضائل والحسنات .

الثالث : إني لم أجد دراسة علمية متخصصة في هذا الموضوع مع شدة الحاجة لذلك ، صحيح أن ثمة دراسات طرقت الموضوع من بعض جوانبه كدراسات في أدب الخلاف ، وأخرى في منهج أهل السنة في النقد والتقويم ، وثالثة في الرد على المخالف وفقه التعامل معه ، إلى غير ذلك ، وهذه الدراسات مع جودتها وقيمتها العلمية ليست متخصصة في موضوع البحث ، وأقرب رسالة وقفت عليها في هذا الموضوع للشيخ محمد المنجد حفظه الله بعنوان "الأساليب النبوية في التعامل مع أخطاء الناس" وكدت لما وقفت عليها أترك المواصلة فيما بدأته ، إلا أني لما تصفحتها وجدت أنه عالج الموضوع من جانب ذكره لأساليب النبي صلى الله عليه وسلم في معالجة الخطأ ، والقضية تحتاج إلى بحث أوسع من حيث وجوب التثبت في إيقاع الخطأ والتعالم معه بعد وقوعه ، وبعد استحكامه والإصرار عليه ، كل ذلك على ضوء منهج السلف الصالح رحمهم الله ، ولا أنكر أني أفدت من رسالته فجزاه الله خيراً .

وقد أسميت هذه الورقات : "فقه التعامل مع الأخطاء على ضوء منهج السلف" وأردت بالفقه اللغوي لا الاصطلاحي ، وقد جعلت هذا البحث في تمهيد وثلاثة فصول وخاتمة .

التمهيد : وأفردته لثلاث مقدمات :

الأولى : تعريف الخطأ لغة واصطلاحاً والألفاظ ذات الصلة .

الثانية : كل بني آدم خطاء إلى من عصم .

الثالثة : درجات الأخطاء والمخطئين .

الفصل الأول : قبل إثبات الخطأ والحكم به : وفيه مبحثان :

المبحث الأول : التثبت والتبين قبل الحكم بالخطأ: وفيه أربعة مطالب :

المطلب الأول : طلب الإسناد عند سماع المنقول .

المطلب الثاني : العلم بحال الناقل .

المطلب الثالث : العلم بحال المنقول فيه .

المطلب الرابع : العلم بطبيعة الخطأ المنقول .

المبحث الثاني : إحسان الظن وحمل الكلام على المحمل الحسن .

الفصل الثاني : عند ثبوت الخطأ ، وفيه ثلاث مباحث :

المبحث الأول : النصح والتوجيه : وفيه خمسة مطالب :

المطلب الأول : إخلاص النية والقصد عند النصح .

المطلب الثاني : الهدوء في التعامل مع المخطئ .

المطلب الثالث : إرشاد المخطئ وإعانته .

المطلب الرابع : تقديم البدائل الصحيحة .

المطلب الخامس : تأديب المخطئ إذا استلزم ذلك .

المبحث الثاني : الآداب الشرعية عند النصح والتوجيه : وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : الحكمة في معالجة الخطأ .

المطلب الثاني : مقارنة النفس بالغير عند صدور الخطأ .

المطلب الثالث : الرجوع عن الخطأ إذا ظهر الحق والصواب .

المبحث الثالث : الستر وعدم الإشاعة : وفيه ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : بيان الأخطاء دون التعرض للأشخاص ما أمكن ذلك .

المطلب الثاني : التحذير من إشاعة الفاحشة .

المطلب الثالث : التحذير من التعيير والتوبيخ .

الفصل الثالث : بعد استحكام الخطأ والإصرار عليه : وفيه ستة مباحث :

المبحث الأول : المخطئ المجتهد مأجور غير موزور .

المبحث الثاني : الخطأ اليسير مغتفر في جانب الخير الكثير .

المبحث الثالث : خطأ الشخص لا يسري إلى غيره إلا وافقه وأقره .

المبحث الرابع : الورع عند نقل الخطأ وعدم التحامل .

المبحث الخامس : عدم تتبع الأخطاء والعثرات .

المبحث السادس : الأثر المترتب على الخطأ بالنسبة للحقوق .

الخاتمة : ولخصت فيها نتائج البحث .

الفهارس .

وقد حاولت عرض الموضوع وفق منهج علمي ، وأكثرت من الاستشهاد بالنصوص الشرعية وكلام أهل العلم في جلّ القضايا المطروحة ؛ لأنها منطلق البناء وأساسه ، وعزوت هذه النقول إلى مصادرها الأصلية قدر الاستطاعة ، وأما الأحاديث النبوية فقد خرجتها من مصادرها فما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت به لكونهما محلاً للقبول عند جمهور أهل العلم ، وما كان في غيرهما فقد خرجته من مصادره ، قدر الاستطاعة مع محاولة الحكم عليه صحة وضعفاً من قبل أهل الاختصاص ، ولا أدعي أني جئت بمبتكرات جديدة في هذا البحث ، ولكنه الجمع والترتيب ، وهما من جملة مراتب التأليف فلعله يكون مفتاحاً لدراسات أكثر وأوسع استيعاباً .
وبعد ، فهذا ما كنت أروم إيضاحه ، فإن وجدت أخي القارئ حسناً فدعوة بظهر الغيب ، وإن تكن الأخرى فشأن الكرام ستر العيب ، والله الهادي إلى سواء السبيل فبه أستعين .
كتبه
عبد الرحمن بن أحمد علوش المدخلي
ص.ب 86 صامطة




التمهيد

أولاً: تعريف الخطأ لغة واصطلاحاً :

جاء في لسان العرب : الخَطَأ والخطاء : ضد الصواب ، وخَطَّأه تخطِئَةً وتَخْطِيئاً : نسبة إلى الخطأ ، وقال له : أخْطَأت ، والخَطَأ ما لم يتعمد ، والخِطْء : ما تعمد .

وقال الأموي : المُخْطِئُ من أراد الصواب فصار إلى غيره ، والخاطئ من تعمد لما لا ينبغي .

وفي النهاية والمصباح : يقال خِطَئ في دينه خِطْأ إذا أثم فيه ، والخِطء : الذنب والإثم ، وأخطأ يُخْطِئ إذا سلك سبيل الخطأ عمداً أو سهواً ، ويقال : خَطِئ إذا تعمد ، وأخطأ إذا لم يتعمد ، ويقال لمن أراد شيئاً ففعل غيره أو فعل غير الصواب : أخطأ .

والخطأ في الاصطلاح:

قال الجرجاني : "هو ما ليس للإنسان فيه قصد ، وهو عذر صالح لسقوط حق الله تعالى إذا حصل عن اجتهاد ويصير شبهة في العقوبة حتى لا يؤثم الخاطئ ولا يؤاخذ بحد ولا قصاص ، ولم يجعل عذراً في حق العباد حتى وجب عليه ضمان العدوان ووجب به الدية" .

وقال في التلويح : "هو فعل يصدر من الإنسان بلا قصد إليه عند مباشرة أمر مقصود سواه" .

الألفاظ ذات الصلة :

1- الغلط : جاء في اللسان : الغلط كل شيء يعيا الإنسان عن جهة صوابه من غير تعمد ، وقد غالطه مغالطة ، وغَلط في الأمر يغلط غَلَطاً وأغلطه غيره ، والعرب تقول : غَلِط من منطقة وَغَلِتَ في الحساب غَلَطاً وغلتاً .

والغلط في اصطلاح جمهور الفقهاء يأتي مساوياً للفظ الخطأ ، فقد جاء في حاشية العدوي على الخرشي تعريف الغلط بأنه تصور الشيء على خلاف ما هو عليه .

2- النسيان والسهو و الغفلة والذهول : وهذه الألفاظ متقاربة في المعنى عند الفقهاء والأصوليين ، فقد نقل ابن عابدين عند شرح التحرير اتفاقهم على عدم الفرق بين السهو والنسيان .

وقال ابن نجيم : المعتمد أنهما مترادفان ، وصرح البيجوري بأن السهو مرادف للغفلة . وأما الذهول فمن العلماء من جعله مساوياً للغفلة ، ومنهم من جعله أعم منها ، ومنهم من جعله أخص . وصلة هذه الألفاظ بالخطأ بأنها أسباب تؤدي إليه والخطأ ينتج عنها .

ثانياً: الخطأ صفة ملازمة لبني آدم إلا من عصمه الله :

قبل الخوض في ثنايا هذه الرسالة ، لا بد أن تستقر في الأذهان القاعدة السابقة ، ذلك أن الخطأ صفة ملازمة للبشر لا ينجو منه أحد إلا من عصمه الله من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم ، وقد قرر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : " كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون " .

ولو نجا من الخطأ أحد لنجا منه الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين هم أفضل الخلق بعد الأنبياء والمرسلين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم" .

لذا تقررت هذه القاعدة عند السلف رحمهم الله وأصبحت عندهم قضية مسلمة ، لا تقبل المساومة ، نستيقن ذلك من خلال النقولات المتوافرة عنهم في ذلك ، ومن خلال تعاملهم مع الأخطاء والعثرات .

فهذا الإمام الشافعي يقول : "قد ألفت هذه الكتب ولم آل فهيا ، ولا بد أن يوجد فيها الخطأ ، إن الله تعالى يقول : {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} .

وقال تلميذه المزني : "لو عورض كتاب سعين مرة لوجد فيه خطأ ، أبى الله أن يكون كتابٌ صحيح غير كتابه" .

وقال الإمام أحمد : "ما رأيت أحداً أقل خطأ من يحيى بن سعيد ، ولقد أخطأ في أحاديث ثم قال : "ومن يعرى من الخطأ والتصحيف" .

وقال الإمام الترمذي : "وإنما تفاضل أهل العلم بالحفظ والإتقان ، والتثبت عند السماع مع أنه لم يسلم من الخطأ والغلط كبير أحد من الأئمة مع حفظهم" .

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "ليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأ مغفوراً لهم ، بل ليس من شرطهم ترك الصغائر . مطلقاً ، بل ليس من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه توبة" .

وقال ابن القيم رحمه الله : "وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً ، ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته" .

وقال مهنا لأحمد : "كان غندر يغلط؟ قال : أليس هو من الناس؟!" .

وقال عبد الرحمن بن مهدي : "من يبرئ نفسه من الخطأ فهو مجنون" .

وقال الإمام مالك : "ومن ذا الذي لا يخطئ" .

إذا تقرر ذلك فكيف يتعامل المسلم مع أخطاء الآخرين وعثراتهم؟

ثالثاً: درجات الأخطاء والمخطئين :

من المعلوم أن الخطأ ليس بمنزلة واحدة ، فالخطأ إما أن يكون في أمر الدين أو الدنيا ، والخطأ الحاصل في أمر ديني ، إما أن يكون في الأصول أو الفروع ، ولا شك أن الخطأ الواقع في الأصول والعقائد أعظم وقعاً ، وأجدر بالتصحيح والتصويب من الخطأ الحاصل في الفروع ، والخطأ في المسائل الفرعية إما أن يكون في أمر مجمع عليه أو في مسألة اجتهادية ، وإما أن يكون في الكبائر أو الصغائر وبالنسبة للمخطئ لا بد من التفريق:

- بين الخطأ الناتج عن اجتهاد صاحبه وبين خطأ العمد والغفلة والتقصير .

- وبين خطأ ذوي الهيئات الذين لا يعرفون بالذنب ، وخطأ العاصي المسرف على نفسه .

- وبين المجاهر بالخطأ والمستتر به .

- وبين من يتوالى منه حدوث الخطأ وبين من يقع منه على فترات متباعدة .

إلى غير ذلك من الاعتبارات المرعية عند التعامل مع الخطأ والمخطئ ، وهو ما سأحاول إلقاء الضوء عليه في ثنايا هذا البحث ، مستمداً من الله العون فهو حسبي ونعم الوكيل.

* * *

الفصل الأول
قبل إثبات الخطأ والحكم به

إن المتتبع للمنهجية الشرعية التي امتثلها سلفنا الصالح وساروا عليها يجد أنهم لا يتعجلون في الحكم بالخطأ على شخص ما عند صدور ما يستدعي ذلك ، بل يسيرون في ذلك على منهج شرعي تربوي متكامل مبني على قواعد وضوابط تنظيرية وتطبيقية من أهمها :

المبحث الأول
التثبت والتبين قبل الحكم بالخطأ


إن الاستعجال في إصدار الأحكام على الآخرين أمر ممقوت يعرض صاحبه للزلل والخطأ والوقيعة في الآخرين ، وهو مخالف أيضاً للمنهج الرباني الآمر بالتثبت والتبين والتبصر ، كما أنه بعيد عن طريقة السلف الصالح المبنية على التثبت في صغير الأشياء وعظيمها ، وفي علوم الدين والدنيا ، وفي العادات والعبادات .

فإذا تأملنا كتاب ربنا نجد أن الأمر بالتثبت قد ورد في آيات كثيرة منها:

{ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ أَن تُصِيببُواْ قَوْمَا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُواْ عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} .

وفي قراءة متواترة قرأ بها حمزة والكسائي وخلف {فتثبتوا} ، قال الإمام الشوكاني رحمه الله : "المراد من التبيُّن التعرف والتفحص ، ومن التثبت الأناة وعدم العجلة ، والتبصر في الأمر الواقع والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر" ، ومن ذلك أيضاً قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً} .

ومنها قوله تعالى : {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} .

بل شنع الله سبحانه وتعالى على المسترعين في نقل الأخبار والأقوال دون تثبت وتبين ، ودون تروٍّ ومشورة فقال تعالى : {وَإِذَا جَآءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} .

وقد ذم النبي صلى الله عليه وسلم طائفة المتسرعين في النقل دون تثبت بقوله : "بئس مطية الرجل زعموا" .

قال الإمام البغوي تعليقاً على هذا الحديث : "إنما ذم اللفظة لأنها تستعمل غالباً في حديث لا سند له ، ولا تثبُّت فيه ، إنما هو يحكى على الألسن ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتثبت فيما يحكيه والاحتياط فيما يرويه" .

وقال الإمام الخطابي رحمه الله : "وإنما يقال زعموا في حديث لا سند له ولا تثبت فيه ، وإنما هو شيء يحكى على الألسن وعلى سبيل البلاغ ، فذم صلى الله عليه وسلم من الحديث ما كان هذا سبيله وأمر بالتثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك ، فلا يرويه حتى يكون معزياً إلى ثبت ومروياً عن ثقة ، وقد قيل : الراوية أحد الكاذبين" .

وما أشبه من هذا حاله بمن ينقل معلوماته عن المجاهيل أو من التجمعات العامة ، فإذا سئل عن مصدر خبره قال : حدثني من لا أتهم ، أو أخبرني الثقة ، أو حدثني من لو كان البخاري حياً لجعله من شيوخه ، إلى غير ذلك من المبالغات والمجازفات ، وخلاصة القضية أن في نفسه قناعات مبنية على أوهام وأحقاد ، أراد إثباتها بهذه النقولات الهشة والأخبار الملفقة .

وبالمناسبة ، فإن هذا التوثيق غير مقبول عند الأئمة فإنهم قالوا : "إذا روى الثقة العدل في حديثه فقال : حدثني الثقة من غير تسمية له أو قال : حدثني من لا أتهم ، فهل يقبل هذا ويكتفى به عند المحدثين أم لا يقبل؟

الذي يقتضيه الإنصاف ويكون أبرأ للذمة وأمكن في العهدة أنه لا يقبل حتى يسميه ، لأنه لو كان هذا المبهم ثقة عند الراوي عنه فربما لو سماه لكان ممن جرحه غيره بجرح قادح ، ثم إن امتناعه عن تسميته ريبة توقع تردداً في القلب ، فلا يقبل إلا تسمية المروي عنه ، وهذا ما جنح له من الشافعية المتقدمين أبو بكر الصيرفي ، والماوردي والروياني من المحدثين الخطيب البغدادي وابن الصلاح والنووي والسيوطي وآخرون .

وقال صلى الله عليه وسلم : "كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" ، قال ابن حبان عند ذكر الخبر السابق : "في هذا الخبر الزجر للمرء أن يحدث بكل ما سمع حتى يعلم على اليقين صحته ثم يحدث به دون ما لا يصح" .

وقد رسم النبي صلى الله عليه وسلم للأمة معالم هذا المنهج في الجوانب التطبيقية من سيرته ، فما كان صلى الله عليه وسلم يتسرع في التخطئة ، بل كان يسأل عن الظروف الملابسة للخطأ من حيث الدافع ، وحالة المخطئ ، ولعل في المواقف الآتية ما يجلي هذه المعاني :

ما حدث لحاطب رضي الله عنه عندما كتب لكفار قريش عن مسير النبي صلى الله عليه وسلم ، لما جيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعجل بالحكم عليه بل بادره بقوله : "ما حملك يا حاطب على ما صنعت؟..." الحديث .

وروى النسائي رحمه الله عن عَبَّاد بن شُرَحْبيلَ رضي الله عنه قال : قدمت مع عمومتي المدينة ، فدخلت حائطاً من حيطانها ، ففركت من سُنْبُلِهِ ، فجاء صاحب الحائط فأخذ كسائي وضربني ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أستَعْدِِي عليه ، فأرسل إلى الرجل فجاءوا به فقال : "ما حملك على هذا؟" فقال : يا رسول الله إنه دخل حائطي فأخذ من سبنله فَفَرَكَهُ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما عَلَّمْتَهُ إذ كان جاهلاً ولا أطعمته إذ كان جائعاً ، اردُدْ عليه كساءَهُ" وأمر لي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوَسْق أو نصف وسق .

وقد حدثت لعمر –رضي الله عنه- قصة رواها بنفسه فقال : سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يُقْرِئْنيهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم فكدت أساورُهُ في الصلاة ، فَتَصَبَّرتُ حتى سلم فَلَبَّبْتُهُ بردائه ، فقلت : من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال : أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم . فقلت : كذبت ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أقرأنيها على غير ما قَرَأتَ ، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقلت : أني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تُقْرِئنيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أرسِلهُ ، اقرأ يا هشام" فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كذلك أنزلت" ، ثم قال : "اقرأ يا عمر" ، فقرأت القراءة التي أقرأنيها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كذلك أنزلت ، إن هذا القرآن أنزلَ على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه" .

والذي نفيده من المواقف السابقة ما يلي :

- أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يتعجل في قبول التخطئة والحكم بها بمجرد ما تنقل له .

_ أنه كان يحاول المتهم بالخطأ لمعرفة ظروفه ودوافعه .

_ على طالب العلم أن لا يستعجل بتخطئة من حكى قولاً يخالف ما يعرفه إلا بعد التثبت ، فربما يكون ذلك القول قولاً معتبراً من أقوال أهل العلم .

وسار الصحابة رضي الله عنهم والتابعون لهم بإحسان من خيار هذه الأمة على هذا المنهج ، قولاً وعملاً ، شعاراً وسلوكاً ، تنظيراً وتطبيقاً في كافة أمور حياتهم ، والآثار في هذا الباب أكثر من أن تحصر في هذا المختصر ، ولكن حسبي أن أورد طرفاً من ذلك لمن أراد السير على هذا الطريق ، والله الهادي إلى سواء سبيل .

فمن ذلك ما ثبت عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا : "بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع" .

ولما طلب عمر بن الخطاب من أبي موسى الأشعري أن يأتيه على ما يقول بشاهد عندما روى له حديث الاستئذان ثلاثاً في القصة المشهورة قال له عمر : "أما إني لم أتهمك ولكن أحببت أن أتثبت" .

قال الإمام الذهبي رحمه الله في تذكرة الحفاظ عن عمر بن الخطاب : "وهو الذي سنَّ للمحدثين التثبت في النقل ، وربما كان يتوقف في خبر الواحد إذا ارتاب" .

فأنت ترى أن الصحابة رضي الله عنهم ، وهم أزكى وأطهر مجتمع وجد على الأرض يرسمون للأمة مبدأ التثبت بأفعالهم قبل أقوالهم .

وبهذا الفقه جاء التابعون ، وعلى خطاه ساروا .

فهذا مالك بن أنس إمام دار الهجرة يجلي لنا هذه القضية بقوله : "اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع ، ولا يكون إماماً أبداً وهو يحدث بكل ما سمع" .

وقال عبد الرحمن بن مهدي : "لا يكون الرجل إماماً يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع" .

إذاً فقد ظهر لك أن من معالم هذا المنهج ألا يكون المسلم زاملة أخبار ، ووكالة أنباء ، وبوق نقل للشائعات، وما سمعته أذناه لا يقر له قرار حتى تنفرج عنه شفتاه كشأن من تعرفون؟!!

ويبين الإمام النووي رحمه الله هذه المعالم بقوله تعليقاً على الآثار السابقة : "فيها الزجر عن التحديث بكل ما سمع الإنسان ، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب ، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن" .

وقال أيضاً : "إذا حدث بكل ما سمع كثر الخطأ في روايته فترك الاعتماد عليه والأخذ عنه" .

ويبين الإمام الطبري رحمه الله أن هذه الخصلة من صفات الموقنين أهل الإيمان الذين أنعم الله عليهم بذلك فيقول : "وخص الله بذلك القوم الذين يوقنون ، لأنهم أهل التثبت في الأمور ، والطالبون معرفة حقائق الأشياء ، على يقين وصحة" .

وقال الحسن البصري رحمه الله : "المؤمن وقَّاف حتى يتبين" .

وقد قيل : "من كانت فيه ثلاث خصال لم يستقم له أمر : التواني في العمل ، والتضييع للفرص ، والتصديق بكل خبر".

بل يرى الحافظ ابن حجر رحمه الله أن هذا الأمر من لوازم العقلاء ، ويحذر من التساهل في ذلك تحذيراً من العواقب الوخيمة التي تلحق بالقائل والمقول فيه فيقول : "إن الذي يتصدى لضبط الوقائع من الأقوال والأفعال والرجال يلزمه التحري في النقل ، فلا يجزم إلا بما يتحققه ، ولا يكتفي بالقول الشائع ولا سيما إن ترتب على ذلك مفسدة من الطعن في حق أحد من أهل العلم والصلاح ، وإن كان في الواقعة أمر فادح سواء كان قولاً أو فعلاً أو موقفاً في حق المستور فينبغي ألا يبالغ في إفشائه ، ويكتفي بالإشارة لئلا يكون قد صدر منه فلتة ، ولذلك يحتاج المسلم أن يكون عارفاً بمقادير الناس وأحوالهم ومنازلهم فلا يرفع الوضيع ولا يضع الرفيع" .

ويعد الحافظ ابن حبان عدم التثبت من صفات الحمقى الذين يجب الابتعاد عنهم إذ يقول : "من علامات الحمق التي يجب للعاقل تفقدها ممن خفي عليه أمره : سرعة الجواب ، وترك التثبت ، والإفراط في الضحك ، وكثرة الالتفات ، والوقيعة في الأخيار ، والاختلاط بالأشرار" .

فيا ليت من جنَّد نفسه للوقيعة في أهل الخير والفضل ، دون تثبت ومستند يعي ذلك!!

وإن عدم التثبت قد يؤدي بالشخص للوقوع في الكذب المحرم على الآخرين ، والافتراء عليهم وهو من الظلم المنهي عنه سواء كان يشعر الناقل بذلك أم لا .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : "فالكذب على الشخص كله حرام ، سواء كان الرجل مسلماً أو كافراً ، براً أو فاجراً ، لكن الافتراء على المؤمن أشد ، بل الكذب كله حرام" .

ويقول أيضاً : "والظلم محرم في كل حال ، فلا يحل لأحد أن يظلم أحداً ولو كان كافراً" .

ويرفع علماؤنا المعاصرون الراية ، ويضربون على الوتر نفسه ، ويسيرون على خطى السابقين الأخيار مرشدين ومحذرين ، فالفقه هو الفقه والمنهجية هي المنهجية .

يقول الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله : "من الغلط الفاحش الخطر قبول قول الناس بعضهم ببعض ، ثم يبني عليه السامع حباً وبغضاً ، ومدحاً وذماً ، فكم حصل بهذا الغلط أمور صار عاقبتها الندامة ، وكم أشاع الناس عن الناس أموراً لا حقائق لها بالكلية .. فالواجب على العقل التثبت التحرز وعدم التسرع ، وبهذا يعرف دين العبد ورزانته وعقله" .

ويقول الشيخ مصطفى السباعي رحمه الله محذراً من قبول كل ما يشاع ويقال : "والجماهير دائماً أسرع إلى إساءة الظن من إحسانه .. فلا تصدق كل ما يقال ولو سمعته من ألف فم ، حتى تسمعه ممن شاهده بعينه ، ولا تصدق من شاهد بعينه حتى تتأكد من تثبته فيما يشاهد ، ولا تصدق من تثبت فيما يشاهد حتى تتأكد من براءته وخلوه عن الغرض والهوى" .

وإن مما يساعد المسلم على التثبت والتبين أن يسلك منهج السلف في ذلك المبني على أمور منها:

1- طلب الإسناد عند سماع المنقول :

فالإسناد من خصوصيات هذه الأمة التي امتن الله به عليها دون سائر الأمم ، قال الحافظ بن الصلاح : "أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة ، وسنة بالغة من السنن المؤكدة" .

وقال الإمام القسطلاني : "قال أبو بكر محمد بن أحمد :بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها من الأمم : الإسناد ، والأنساب ، والإعراب" .

والمقصود بطلب الإسناد في هذا الباب معرفة القائل ومصدر الخبر عند تضارب الشائعات ، ليرد الإنسان عن نفسه التهم ، ويسكت المفتري ، ويتعرى المروجون للأباطيل ، فتسقط الثقة بأخبارهم عند عقلاء القوم ، الباحثين عن الحق والإنصاف .

لذا توافرت النصوص عن سلفنا الصالح رحمهم الله في الحث على لزوم الإسناد والاهتمام به والمحافظة عليه , فمن ذلك :

قول عبد الله بن المبارك رحمه الله : "الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء ، فإذا قيل له من حدثك بقي" أي أفحم فظل ساكتاً لا يستطيع الجواب .

فتأمل رحمك الله في قوله "لقال من شاء ما شاء" فقد عد الإسناد لجاماً للثرثارين ، وباباً موصداً على المتسرعين ، وحصناً منيعاً في طريق المرجفين ، وبدونه تصبح الأمور خبط عشواء ، وتكون أعراض المسلمين كلأ مباحاً لأصحاب الأهواء ذوي النفوس المريضة ، والمقاصد السيئة ، اللهم سلِّم .
وقال سفيان الثوري : "الإسناد سلاح المؤمن ، إذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل" .

واشترط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تسمية القائل والناقل ، لإثبات صدق الخبر حيث قال : "من أراد أن ينقل مقالة عن طائفة فليسمِّ القائل والناقل ، وإلا فكل أحد يقدر على الكذب" .

إنها الضوابط الشرعية المبنية على العدل والإنصاف التي لا يعتريها غموض ، أو يشوبها غبش . والاهتمام بالإسناد عند أئمتنا لم يقتصر على الأحاديث والآثار فقط بل حتى في الطرائف والأخبار المستملحة ، ومن ذلك ما ذكره الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد قال : أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق : أخبرنا أبو الحسن المظفر بن يحيى الشرابي : حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد المرثدي : حدثنا أبو إسحاق الطلحي : حدثني أحمد بن إبراهيم قال دعا إنسان أشعب فقال أشعب : لا والله ما أجيئك ، أنا أعرف الناس بك وكثرة جموعك ، قال له : علي أن لا أدعو أحداً سواك ، فأجابه ، قال : فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم صبي وهو في غرفة فصاح أشعب : أي أبا فلان ، تعال ها هنا من هذا الصبي شرطت عليك أن لا يدخل علينا أحد ، قال : جعلت فداك يا أبا العلاء ، هذا ابني وفيه عشر خصال ، ما هن في صبي؟ قال ك وما هن فديتك؟ قال : لم يأكل مع ضيف قط ، قال : حسبي التسع لك .

هذا وإن من يبتلى بالكلام في الناس مع عدم التثبت مآله إلى الندامة والحسرة ، ومهدد بعقوبة في الدنيا قبل الآخرة .

قال الإمام ابن الجوزي رحمه الله تعالى : "ما اعتمد أحد أمراً إذا هم بشيء مثل التثبت ، فإنه متى عمل بواقعة من غير تأمل للعواقب كان الغالب عليه الندم . ولهذا أمر الإنسان بالمشاورة لأن الإنسان بالتثبت يطول تفكيره فتعرض على نفسه الأحوال ، وكأنه شاور ...

وأشدُّ الناس تفريطاً من عمل مبادرة في واقعة من غير تثبت ولا استشارة خصوصاً فيما يوجبه الغضب ، فإنه بنزقه طلب الهلاك أو استتبع الندم العظيم ، فالله الله ، التثبت التثبت في كل الأمور في عواقبها ، خصوصاً الغضب المثير للخصومة" .

بل صرَّح الإمام أحمد بما هو أوضح من ذلك حيث قال : "ما تكلم أحد في الناس إلا سقط وذهب حديثه ، قد كان بالبصرة رجل يقال له الأفطس كان يروي عن الأعمش والناس وكانت له مجالس ، وكان صحيح الحديث ، إلا أنه كان لا يسلم على لسانه أحد ، فهذب حديثه وذِكْرُه.

وفي رواية الأثرم قال : إنما سقط بلسانه فليس نسمع أحداً يذكره ، وتكلم يحيى بن معين في أبي بدر فدعا عليه ،قال أحمد : فأراه استجيب له .

قال ابن مفلح : والمراد بذلك والله أعلم عدم التثبت والغيبة بغير حق" .

وقال أبو زرعة : كل من لم يتكلم في هذا الشأن على الديانة فإنما يعطب نفسه ، وكان الثوري ومالك يتكلمون في الناس على الديانة فينفذ قولهم ، وكل من يتكلم فيهم على غير الديانة يرجع الأمر عليه .

فهل بعد هذه النصوص والضوابط والتحذيرات من أئمة السلف يطلق عاقل العنان للسانة لتفري في أعراض المسلمين ، لحجة واهية ، أو تأويل متكلف ، أو سوء ظن أو هوى غلاب ، أو طمع في الدنيا؟ لا أظن ذلك كذلك .

ورحم الله القائل :

لا ترسلنَّ مقالة مشهورة *** لا تستطيع إذا مضت إدراكها
لا تبدينَّ نميمة نبئتها *** وتحفظن من الذي أنباكها

2- العلم بحال الناقل :

إن من القواعد المعتبرة قبل قبول الخبر من ناقله البحث عن حاله من حيث العدالة والضبط وعدمها ، فإن توفرا قبل ، وإن اختل رُدَّ على قائله ، ولذلك قال الخطيب البغدادي رحمه الله : "إن أهل العلم أجمعوا على أن الخبر لا يجب قبوله إلا من العاقل الصادق المأمون على ما يخبر به" .

لذا ينبغي التثبت من اجتماع الأمرين في الناقل قبل قبول خبره وهما :

1- العدالة : امتثالاً لقوله تعالى : {ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِن جَآءَكُمْ فَاسِقُ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُواْ} ، وقوله تعالى : {مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَآءِ} . والكافر والفاسق ليسا من أهل الرضى في هذا الشأن ، وقد شدَّد الأئمة رحمهم الله في العدالة ، من حيث شروطها ، وضوابطها وقوادحها ، حتى أن من اطلع على ذلك داخله الشك في عدم وجود العدل المقبول عندهم في هذه الأعصار . فلم يكتفوا باشتراط الإسلام والعقل ، والتمييز في الناقل بل زادوا على ذلك أن يجتنب الكبائر وألا يصر على الصغائر ، وأن يبتعد عن خوارم المروءة ،والمقصود بها ألا يقع الإنسان عامداً في أمر يستنكف عنه أمثاله وأقرانه .

2- الضبط : وهو الشرط الثاني في الراوي ليكون ثق في خبره ، والمقصود بالضبط أن يكون الناقل متيقظاً غير مغفل ، حافظاً إن حدث من حفظه ، ضابطاً لكتابه إن حدث من كتابه ، وإذا شارك الرواة المتقنين لم يخالفهم .

فقد يكون الرجل عدلاً مأموناً في دينه لكنه غير ضابط ، إما لسوء حفظ ، أو كثرة وهم ، أو غفلة أو نسيان أو نحو ذلك .

وتأمل هذه النقولات عن السلف ليظهر لك هذا الأمر جلياً وتستيقن في قرارة نفسك أنه فقه قديم:

قال ربيعة بن عبد الرحمن : "إن من إخواننا من نرجو بركة دعائه ، ولو شهد عندنا بشهادة ما قبلناها" ، فليست العدالة وحدها كافية لقبول الخبر ، إذا كان الناقل ينسى ما يسمعه ، أو يحدث به على غير الوجه الذي صدر كما قال الأول :

أقول له سعداً فيسمعها بكراً *** ويحفظها زيداً ويكتبها عمرا

وقال أبو الزناد : "أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون ما يؤخذ عنهم شيء من الحديث يقال : ليسوا من أهله" .

أما إمام دار الهجرة فإنه يبين هذه المسألة غاية البيان فيقول : "لا يؤخذ العلم من أربعة ويؤخذ عمن سواهم ، لا يؤخذ من رجل صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه ، ولا من سفيه معلن بالسفه وإن كان من أروى الناس ، ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة ولا يعرف ما يحدث" .

وثمة أمور نص أئمتنا أنه لا يقبل فيها جرح الجارح ، ويقاس على ذلك ناقل الخطأ ، فمن ذلك :

أ‌- أن يكون الناقل مجروحاً في نفسه : قال الحافظ ابن حبان : "من المحال أن يجرح العدل بكلام المجروح" .

فهو في نفسه متهم ، فكيف يتحامل على الأخيار الذين هم أوثق منه؟!

وإليك هذه الأمثلة عن أئمتنا لتتضح القضية ، وترسخ القاعدة :

في ترجمة عمرو بن سليم الزرقي ، نقل الحافظ ابن حجر أن ابن خراش ضعفه .

قال الحافظ : "ابن خراش مذكور بالرفض والبدعة فلا يلتفت إليه".

وردَّ أيضاً تضعيف ابن قانع لمبشر بن إسماعيل الحلبي بأن ابن قانع ليس بمعتمد . وفي ميزان الاعتدال في ترجمة السري بن يحيى ، وهو ثقة وثقه أحمد ، وأبو حاتم ، وأبو زرعة وجمع . قال الذهبي : قال أبو الفتح الأزدي : حديثه منكر ، فآذى أبو الفتح نفسه ، وقد وقف أبو عمر ابن عبد البر على قوله فغضب ، وكتب بإزائه : السري بن يحيى أوثق من مؤلف الكتاب مائة مرة ، يعني الأزدي .

ومن ذلك أن الحافظ ابن حجر في ترجمة أحمد بن شبيب – بعد ما نقل عن الأزدي قوله فيه : "غير مرضي" – قال : "لم يلتفت أحد إلى هذا القول ، بل الأزدي غير مرضي" .

وذكر الإمام ابن مفلح في الآداب الشرعية أن أبا قتادة عبد الله بن واقد تكلم في بعض الثقات فتعقبه ابن مفلح بقوله : "أبو قتادة ضعيف متروك ...، ومن هذا حاله لا يحل له أن يتكلم في الجرح والتعديل لا سيما بغير إنصاف فيمن عظمه الأئمة وأثنوا عليه واتفقوا عليه ...إلخ .

وحدث أحمد بن علي الأبار فقال : "رأيت بالأهواز رجلاً خف شاربه ، وأظنه اشترى كتباً وتعبأ للفتيا ، فذكروا أصحاب الحديث فقال : ليسوا بشيء ، وليس يسوون شيئاً ، فقلت له : أنت لا تحسن تصلي . قال : أنا؟ قلت : نعم ، قلت : أيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتحت للصلاة ورفعت يديك؟ فسكت ، فقلت : وأيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وضعت يديك على ركبتيك؟ فسكت ، فقلت : أيش تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجدت ، فسكت ، فقلت : مالك لا تتكلم ، ألم أقل إنك لا تحسن تصلي ، أنت إنما قيل لك تصلي الغداة ركعتين ، والظهر أربعاً فالزم ذا خير لك من أن تذكر أصحاب الحديث ، فلست بشيءٍ ولا تحسن شيئاً" .

فهل يقبل عاقل منصف بعد ذلك قدح مجروح العدالة في أهل العلم والفضل؟! لا أظن ذلك سيما إذا صاحبه سوء قصد وفساد طوية وغلبة هوى .

ب- الاحتراز من قبول قدح القرين في قرينه المعاصر له:
فالمعاصرة توجب المنافرة في الجملة ، والأقران المتعاصرون يقع بينهم من الحسد والغيرة ما يحول دون العدل والإنصاف في الغالب ، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لا تقبلوا أقوال الفقهاء بعضهم على بعض ، فإنهم يتغايرون تغاير التيوس في الزريبة" .

وقال مالك بن دينار : "يؤخذ بقول العلماء والقراء في كل شيء إلا قول بعضهم في بعض فلهم أشد تحاسداً من التيوس" .

وهذه القضية واضحة لكل منصف متجرد عن الهوى ، والواقع يشهد لها ، وكتب التراجم تحمل بين طياتها جملاً من هذا الضرب ، ولهذا لم يعتد الأئمة بكثير من كلام الأقران بعضهم في بعض .

قال الإمام الذهبي في ترجمة عفان الصفار : "كلام النظير والأقران ينبغي أن يتأمل ويتأني فيه" .

ويقول أيضاً : "كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لا سيما إذا لاح لك أنه لعداوة ، أو لمذهب أو لحسد ، وما ينجو منه إلا من عصم الله ، وما علمت أن عصراً من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين ، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس ، اللهم فلا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا" .

ويقول الحافظ ابن حجر : "إن كلام الأقران غير معتبر في حق بعضهم بعضاً إذا كان غير مفسر" ، وهذه القاعدة من قواعد العدل والإنصاف التي امتثلها علماؤنا في النواحي التطبيقية تنبيهاً لمن يأتي بعدهم .

قال الحافظ الذهبي في ترجمة محمد بن إسحاق المعروف بابن منده الأصبهاني : "أقذع الحافظ أبو نعيم في جرحه لما بينهما من الوحشة ، ونال منه واتهمه فلم يلتفت إليه لما بينهما من العظائم نسأل الله العفو ، فلقد نال ابن منده من أبي نعيم وأسرف أيضاً" .

وقال في ترجمة أبي الزناد عبد الله بن ذكوان : "لا يسمع قول ربيعة فيه ، فإنه كان بينهما عداوة ظاهرة" .

قال السبكي رحمه الله : "... وإياك ثم إياك أن تصغي إلى ما اتفق بين أبي حنيفة والثوري ، أو بين مالك وابن أبي ذئب ، أو بين أحمد بن صالح والنسائي ، أو بين أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وهلم جرا إلى زمن العز بن عبد السلام والتقي ابن الصلاح ، فإنك إن شغلت بذلك خفت عليك الهلاك ، فإن القوم أئمة أعلام ولكل منهم محامل ، وربما لم نفهم بعضها ، فليس لنا إلا الترضي عنهم والسكوت عما جرى بينهم" .

ولعل من القرائن التي يعرف بها أن كلام القرين في قرينه هو من باب الحسد والتحامل لا من باب العدل والإنصاف ما يلي :

- الغضب الشديد ساعة صدور كلام العالم في آخر :

قال ابن عبد البر : "وقد كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلة العلماء عند الغضب كلام هو أكثر من هذا ، ولكن أهل العلم والميزان لا يلتفتون إلى ذلك ؛ لأنهم بشر يغضبون ويرضون ، والقول في الرضا غير القول في الغضب ، ولقد أحسن القائل : لا يعرف الحلم إلا ساعة الغضب" .

- وجود المنافسة في البلد أو التخصص العلمي :

عليه يحمل طعن ابن أبي ذئب على الإمام مالك فإنهما جميعاً كانا عالمي المدينة في زمانهما" .

- الاختلاف المذهبي :

وهذا واقع بين العلماء ، فقد يكون اختلاف المذهب سبباً في الطعن ، قال ابن عدي في كلامه على أبي بشر الدولابي : "هو متهم فيما يقوله في نعيم بن حماد لصلابته في أهل الرأي" .

- وجود الإحن والشحناء والمخاصمات :

قال الإمام الذهبي : "لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر ، ولا من الكلام بنفس حاد فيمن بينه وبينه شحناء وإحنة ، وقد علم أن كثيراً من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدر لا عبرة به ، لا سيما إذا وثق الرجل جماعة ، يلوح على قولهم الإنصاف" .

فقد ظهر مما سبق أن الواجب على المسلم أن يتأنى ويتبصر عند سماع تخطئة أو رد من عالم على آخر ، أو من أحد طلبة العلم على أخيه ، ولا يتعجل في قبول ما يصدر من ذلك ، وينبغي له أن يسمع وجهة الطرفين ، فربما يكون الآخر قد فقئت عيناه جميعاً ، فإذا ظهر له أن للحسد نصيباً فيما صدر ، وأن القضية من قبيل كلام الأقران المتعاصرين بعضهم في بعض فليتوقف عند ذلك ، ويعامل كل طرف بما هو أهله دون النظر لما يثار وينقل ، وليمتثل قوله تعالى : {وَالَّذِينَ جَآءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} .

على أن هذه القاعدة ليست على إطلاقها ، فقد يكون كلام القرين في قرينه من أوثق ما يقبل ، وذلك إذا خلا عن تعصب وحسد ، واقترن بالبينة الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار ، ولم يكن ثمة تحامل وأيد ذلك العقلاء المنصفون ، فعند ذلك يقدم كلام القرين على غيره ؛ لأنه شاهد الواقعة وعاصرها .

قال الإمام الشافعي : "وأما الرجل من أهل الفقه يسأل عن الرجل من أهل الحديث فيقول : كفُّوا عن حديثه ، لأنه يغلط أو يحدث بما لا يسمع ، وليست بينه وبين الرجل عداوة فليس هذا من الأذى الذي يكون به القائل لهذا فيه مجروحاً عنه لو شهد بهذا عليه ، إلا أ، يعرف بعداوة له فترد بهذه العداوة لا بهذا القول" .

3- العلم بحال المنقول فيه :

والأصل في هذا الأدلة الشرعية الواردة في تقدير أهل الفضل والعلم ، وإنزالهم منازلهم ، فقد فقه أئمتنا هذه القضية فتوقفوا في قبول كثير من التهم نظراً لحال المنقول فيه ، وإن قبلوا شيء من ذلك غمروه في بحر حسناته كما سيأتي .

قال أبو عمر ابن عبد البر القرطبي : "... هذا باب غلط فيه كثير من الناس وضلَّت به نابتة جاهلة لا تدري ما عليها في ذلك ، والصحيح في هذا الباب : أن من صحَّت عدالته وتثبت في العلم أمانته وبانت ثقته وعنايته بالعلم ، لم يُلتفت فيه إلى قول أحد إلا أن يأتي في جرحته ببينة عادلة تصح بها جرحته على طريق الشهادات والعمل فيها من المشاهدة والمعاينة لذلك بما يوجب قوله من جهة الفقه والنظر . وأما من لم تثبت إمامته ولا عُرفت عدالته ، ولا صحت لعدم الحفظ والإتقان روايته: فإنه ينظر فيه إلى ما اتفق أهل العلم عليه ، ويجتهد في قبول ما جاء به على حسب ما يؤدي النظر إليه .

والدليل على أنه لا يقبل فيمن اتخذه جمهور من جماهير المسلمين إماماً في الدين قول أحد من الطاعنين : إن السلف رضوان الله عليهم قد سبق من بعضهم في بعض كلام كثير في حال الغضب ، ومنه على جهة التأويل مما لا يلزم القول فيه ما قاله القائل فيه ، وقد حمل بعضهم على بعض بالسيف تأويلاً واجتهاداً لا يلزم تقليدهم في شيء منه دون برهان ولا حجة توجبه ..." .

قال الإمام السبكي :"والحذر الحذر من هذا الحسبان ، بل إن الصواب عندنا أن من ثبتت إمامته وعدالته ، وكثر مادحوه ومزكوه ، وندر جارحوه وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي أو غيره فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه ونعمل فيه بالعدالة ، ولو فتحنا هذا الباب وأخذنا تقديم الجرح على إطلاقه لما سلم لنا أحد من الأئمة ، إذ ما من إمام إلا وقد طعن فيه طاعنون وهلك فيه هالكون" .

فمن الأمثلة على ذلك:

أجمع النقَّاد على توثيق قيس بن أبي حازم حتى قالوا عنه : "كاد أن يكون صحابياً" ، إلا أن بعض النقاد تكلموا فيه فقال الإمام الذهبي : "أجمعوا على الاحتجاج به ، ومن تكلم فيه فقد آذى نفسه ، نسأل الله العافية وترك الهوى" .

ولما أورد العقيلي علي ابن المديني الإمام الحجة الحافظ في الضعفاء قال الذهبي : "ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع ...، ولو تركت حديث علي وصاحبه محمد وشيخه عبد الرزاق وعثمان بن أبي شيبة ...، لغلقنا الباب ، وانقطع الخطاب ولماتت الآثار واستولت الزنادقة ولخرج الدجال ، أفمالك عقل أي عقيلي ، أتدري فيمن تتكلم ...، كأنك لا تدري أن كل واحد من هؤلاء أوثق منك بطبقات ، بل أوثق من ثقات كثيرين لم توردهم في كتابك ...إلخ" .

وقال أيضاً في ترجمة صاحب الأندلس الناصر لدين الله: "وقد كنت ذكرت ترجمته مع جدهم فأعدتها بزوائد وفوائد ، وإذا كان الرأس عالي الهمة في الجهاد احتملت له هنات وحسابه على الله ، أما إذا أمات الجهاد وظلم العباد وللخزائن أباد فإن ربك لبالمرصاد" .

وقال الحسين الكرابيسي : "مَثَلُ الذين يَذْكرون أحمد بن حنبل مَثَلُ قومٍ يجيئون إلى أبي قبيس يريدون أن يهدموه بنعالهم" .

وقال الإمام الذهبي في ترجمة الإمام الشافعي – رحمه الله - : "ونال بعض الناس منه غضاً فما زاده ذلك إلا رفعة وجلالة ، ولاح للمنصفين أن كلام أقرانه فيه بهوى ، وقلَّ من برز في الإمامة ورَدََّ عل من خالفه إلا عودي ، نعوذ بالله من الهوى" .

وقال أيضاً في ترجمة الفضيل بن عياض – رحمه الله - : "قلت : إذا كان مثل كبراء السابقين قد تكلم فيهم الروافض والخوارج ومثل الفضيل يُتكلم فيه ، فمن الذي يسلم من ألسنة الناس؟ لكن إذا ثبتت إمامة الرجل وفضله ، لم يضره ما قيل فيه ، وإنا الكلام في العلماء يفتقر إلى وزن بالعدل والورع" .

وقال الإمام السبكي: "عرفناك أن الجارح لا يقبل منه الجرح وإن فسَّره ، في حق من غلبت طاعته على معاصيه ، ومادحوه على ذاميه ، ومزكوه على جارحيه ، إذا كانت هناك منافسة دنيوية كما يكون بين النظراء أو غير ذلك" .

ولك بعد ذلك أن تعجب من تطاول غلمان صغار على أفاضل أفنوا حياتهم في خدمة الدين ، وقضوا أعمارهم في درب الدعوة والجهاد ، فما مثلهم وهؤلاء إلا كما قال الأول :

كناطح صخرة يوماً ليوهنها *** فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل

وقول الآخر:

يا ناطح الجبل العالي ليكلمه *** أشفق على الرأس لا تشفق على الجبل

إن هذا الضرب من الشباب الذين لم يتأدبوا بآداب الإسلام لا يضرون إلا أنفسهم ، ولا تكون الدائرة إلا عليهم كما قال ابن ناصر الدين : "لحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في هتك أعراض منتقصيهم معلومة ، ومن وقع فيهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب" .

ورحم الله إبراهيم بن أدهم إذ يقول : "كنا إذا رأينا الشاب يتكلم مع المشايخ في المسجد أيسنا من كل خير عنده" ، أي يناظرهم ويجادلهم ، فإذا كان اليهود والنصارى والبوذيون يجلُّون ويقدرون علماءهم إلى درجة التقديس ...

أفلا يليق بنا أن نحترم علماءنا وهم ورثة الأنبياء؟!!!

وهل نقبل بعد ذلك قدح الصغار في الكبار ؟!

وكلام القاعدين في المجاهدين؟

لا أظن عاقلاً يقبل ذلك .

ولله در الإمام ابن جرير عندما يقول : "لو كان كل من ادعي عليه مذهب من المذاهب الرديئة ، ثبت عليه ما دعي به ، وسقطت عدالته ، وبطلت شهادته بذلك للزم ترك أكثر محدثي الأمصار ، لأنه ما منهم إلا وقد نسبه قوم إلى ما يرغب به عنه" .

وقال الإمام الذهبي رحمه الله : "ولو أنا كلما أخطأ إمام في اجتهاده في آحاد المسائل خطأ مغفور له ، قمنا عليه وبدعناه وهجرناه لما سلم معنا لا ابن نصر ولا ابن منده ولا من هو أكبر منهما ، والله هو هادي الخلق إلى الحق وهو أرحم الراحمين فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة" .

وقال في ترجمة الإمام ابن خزيمة – رحمه الله - : "ولو أن كل من أخطأ في اجتهاده – مع صحة إيمانه ، وتوخيه لاتباع الحق – أهدرناه وبدعناه ، لقل من يسلم من الأئمة معنا رحم الله الجمي
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://samera-1968.yoo7.com
مقدسية الهوى
عضو متميز
عضو متميز
avatar

عدد المساهمات : 862
تاريخ التسجيل : 11/12/2009

مُساهمةموضوع: رد   الجمعة ديسمبر 17, 2010 6:22 pm





طريقة ممنهجة و مفيدة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
كيف نعالج الاخطاء؟
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات صرخة الاقصى :: ##### منـتديـات الأسـره و المـرأه و الـمجـتمـع ##### :: منتدى تطوير الذات وتنمية المهارات-
انتقل الى: