منتديات صرخة الاقصى

مرحبا بكم في منتديات صرخة الآقصى
 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بين منابر اليأس وينابيع الأمل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
najat
المشرفة المميزة
المشرفة المميزة
avatar

عدد المساهمات : 857
تاريخ التسجيل : 13/12/2009

مُساهمةموضوع: بين منابر اليأس وينابيع الأمل   الخميس يناير 06, 2011 5:20 pm



بين منابر اليأس وينابيع الأمل
==================== سلمان بن عمر السنيدي


حين ننظر إلى حالنا ونقيم أوضاعنا نرى أن في الأمة أمراضاً وانحرافات ومنكرات تجب معالجتها والسعي في إزالتها، غير أن الإفراط في الحديث عن جوانب القصور والتفريط ربما يتحول إلى خطر إذا صاحبه الرضى بالضعف والقنوط من الإصلاح، ذلك أنه لا يزيد المجتمع إلا وهنـاً، ولا يجرعـه إلا غصصاً، ولا يَعِـده إلا يأساً، فلا يقدم له علاجاً ولا يمنحه دواء، وإنما يصرف همته إلى قبول المرض واقعاً لا بديل عنه، وأنه داء عمَّت به البلوى، وأنّ تلمس سبيل العافية مشقة لا تطاق، وأن المتعافي كلف نفسه حرجاً، وخالف للمجتمع عُرفاً، وخسر من دنياه ما هو في حل من أمره وسعة.
ولذا كان المغرقون في الحديث عن مظاهر الفساد على هذا النحو يشكِّلون أحد عناصر الفساد والهلاك؛ إذ هم معاول هدم للهمم، وزرّاعون لليأس.
قال صلى الله عليه وسلم : «إذا قال الرجل: هلك الناس. فهو أهلكهُم»(1).
فهو (أهلكَهم) بفعله حيث نشر اليأس بينهم، وهو (أهلكُهم) وأشدهم هلاكاً، حيث اقترف هذا الإثم، وزها بنفسه، واغتر بحاله.
ألا قاتل الله اليأس كيف يصنع بأهله وبالناس، إنه داء جديد يزرعه العاجزون عن الإصلاح بين أفراد الأمة، خدمة مجانية لأعدائها.

منابر اليأس :
==========
إن من المنابر الإعلامية ما يزرع اليأس؛ حين تلبس لباس الطبيب لتشخيص الداء، وتطرح تفاصيل صريحة تجذب المستمع والمشاهد؛ بانتقاء أمراض في الأمة، وتسلِّط الضوء على بعض الجروح بطريقة يخرج المتابع منها بجملة من الأدواء التي تزرع اليأس أو تمهد له، والتي منها:

الأول: تفريغ شحنة النقد والتوهم بمعالجة قضية واقعية؛ مما يعدّ عند كثير من الناس سبباً كافياً لعدم إثارتها مرة أخرى.
ثانياً: خلل واضح في انتقاء المشكلات وتشكيل أولوياتها في عقل المتابع، وتضليل فكره عن أصولها ومصادرها، وتشتيته عن مشكلاته الحقيقية.
ثالثاً: نشر ثقافة الوهن وحب الدنيا، والتصالح مع الضعف، واعتبار الحل الذكي هو القدرة على التعايش مع المصالح على حساب المبادئ استجابة للضغوط المادية؛ عند بروز حاجة أو طمع في متع الحياة وما تهوى النفوس.
وعند اختيار قضية ذات أهمية فإن العلاج لا يخلو من انتقائية وتضليل، وبُعد عن مسلَّمات وحقائق مهمة ليست ضمن قناعات تلك المنابر، وعليه فلا يمكن أن تتطرق أو تشير إليها؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه، فتاجر المخدرات لا يُتصور منه أن يطرح حلاً لقضية المخدرات، فإنه وإن شارك في الحديث عن علاجها إلا أنه سيمارس تضليلاً متقناً، ويكرس اليأس من حل القضية؛ باعتبارها مشكلة عجزت عنها حكومات ودول رغم مقاومتها بجهود ضخمة.
وعلى هذا المنوال تكرر هذه المنابر هذا العلاج اليائس في مناقشة قضايا مشابهة في الاقتصاد والإدارة والسلوك والفكر وحلِّها. إنّها تمارس علاج الداء بمبدأ اليأس من علاجه، وترويض الأمة بعقلانية التعايش معه.

أسباب اليأس:
=============
اليأس حالة مَرَضيَّة تتولد من جملة أسباب؛ لعل من أبرزها:

1 - قسوة القلب وضعف الصلة بالله:
إن أصحاب القلوب القاسية يلهثون وقت الرخاء وراء الشهوات، ويتفاخرون بتحصيل اللذات، فإذا أصابتهم الشدة والبلاء والخوف؛ طغت على تفكيرهم الماديات، وأصابهم الفزع فلا ثقة عندهم بدين، ولا يعتمدون على إيمان بالغيب، بل تنطمس معالم النور، ولا يزيدهم النظر في حالهم إلا ضيقاً وبؤساً ويأساً يجعلهم لا يتوجهون إلى الله بالخضوع والتضرع، بل إن قلوبهم القاسية تأبى سلوك سبيل الطاعة والرجاء فيما عند الله، قال الله عنهم: {فَلَوْلا إذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الأنعام: 43].

2 - حب الدنيا:
إن حب الدنيا وحياة الترف تثني همة المرء عن العمل المثمر الجاد؛ لأنه يكلفه التضحية بشيء من دنياه المحبوبة التي تربى عليها، وسيكلفه التنازل عن مستوى الرفاهية التي ينعم بها. إن تعلق الإنسان الشديد بدنياه يجعله يقيس الأحداث بقياسها ويزن الأمور بميزانها، ويتوقع الأحداث في المستقبل بما جرت عليه عوائدها المادية القريبة، فتنطمس بصيرته ويهلك بالظن الخاسر لمستقبل هذا الدين وأهله، فيخفي في نفسه اليأس من انتصاره، ويبحث عن أعذار تخفي ما في قلبه من تعظيم الدنيا وحب نعيمها وقوة الارتباط بها، قال الله ـ تعالى ـ: {سَيَقُولُ لَكَ الْـمُخَلَّفُونَ مِنَ الأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئاً إنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرَّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً (11) بَلْ ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْـمُؤْمِنُونَ إلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً} [الفتح: 11 - 12].

3 - اتباع الهوى:
إن اتباع الهوى يسهل للمرء سلوك سبيل الهوان والذل واستمراء الواقع المر، والتخلي عن إصلاحه، واليأس من تغييره، بل يصل الأمر إلى ازدراء الجهود الإصلاحية. وكل ذلك يُسوّغ بمراء وجدل وتسويغات كاذبة، ففي حين يعقدون آمالاً عريضة على مشاريع دنيوية محتملة، ويعدون له العدة ويضحون من أجلها، ويشقَون في تحصيلها بالمال والجهد والوقت؛ تراهم يعتذرون عن مشاريع خيرية وأعمال فاضلة بأعذار واهية، قال الله عن شأنهم: {وَلَوْ أَرَادُوا الْـخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً} [التوبة: 46]، وقال: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَـخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42]، وقال: {يَعْتَذِرُونَ إلَيْكُمْ إذَا رَجَعْتُمْ إلَيْهِمْ قُل لاَّ تَعْتَذِرُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ} [التوبة: 94].
إنه كشف وبيان لطبيعة النفوس اليائسة الناكلة عن العمل الجاد التي جعلت من الذرائع حجة لستر عوارها وضعفها.

ثمار اليأس:
===========
لليأس ثمرات مُرَّة يتجرعها اليائسون، فلسان حالهم يقول: ليس من بديل لأحوالهم إلا ما هو أمرُّ وأنكى، وليس بالإمكان أفضل مما كان. إنهم يستطيبون باليأس ثمرات عفنة حين يألفونها ولا يرضون عنها بديلاً، ومن جملة تلك الثمرات المُرَّة:

1 - الزهد في الإصلاح:
اليائسون بقدر ما يتحدثون عن حجم المصائب والنكبات، وعمق المشكلات، وألوان الضعف؛ يهربون من ميدان العمل والإصلاح؛ بحجة أن الإصلاح لا بد له من جهود ضخمة لا طاقة لهم بها، وأما الأعمال الإصلاحية الفردية اليسيرة ففي نظرهم لن تغير التيار الجارف، ولن تصلح ما مضى من فساد عبر سنين عديدة فلا جدوى منها! إنه عجز ويأس وفقدان للهمة، وقد يصل بهم الحال إلى تثبيط المصلحين الساعين في بيان الحق وتبرئة الذمة، قال الله: {وَإذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [الأعراف: 164]. إن الناكلين عن العمل يحرصون على بث اليأس وتزهيد الناس في الأعمال الجادة، لأدنى قصور أو خسارة ظاهرية يشاهدونها، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإخْوَانِهِمْ إذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ} [آل عمران: 156].

2 - الإغراق في اللهو:
ماذا عساه أن يفعل مَنْ زهد في أعمال الخير، وحجب ناظريه تيارُ الانحراف، ولم ير مخرجاً للحياة سوى التعايش مع لوازمه ومتطلباته، والهروب بالنفس إلى ميدان اللهو، والتمادي في الاستجمام والإغراق في حياة العبث والتسلية؛ ليصبح العمل للدنيا هو الاستثناء الجاد في حياته، وإن كان هذا سبيلاً سار فيه أفراد نتاج فكرهم اليائس، فقد وقعت جماهير من الأمة في هذا الفخ المريح والمستنقع المسلِّي؛ جرَّاء سيرهم وراء اليائسين الكبار الذين يعبثون بعقولهم وأموالهم.

3 - الهروب إلى العدو:
إنه مشهد محزن وغريب، ولكنه في الوقت نفسه متوقع من اليائسين حين يطلبون من عدوهم حل مشكلاتهم التي هو سببها، ويفسحون له المشاركة في ترتيب أولوياتهم التي تميزهم عنه، إنهم يحذرون منه، ويحققون ما يرضيه، ويتعايشون مع خططه وتصوراته! {فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ} [المائدة: 52]، إنه حل رخيص وجاهز لا يحتاج إلى مزيد من الجهد والعناء، بل إنهم يجعلونه الحل العقلاني الأمثل، والتخطيط الثاقب الذي يقي الأمة نزاعات مدمرة وصراعات جارفة، فما أرخص المبادئ عند اليائسين من الإصلاح! إن المحافظة على الوضع الراهن منتهى تفكير اليائسين، أما أن يفكروا في السعي إلى مستوى أعلى لحال الأمة؛ فهو عندهم ضرب من الجنون، ونوع من التطرف وفوضى فكرية يجب تقييدها

ينابيع الأمل:
===========
إن رصيد الأمة العقدي والفكري والتاريخي مليء بينابيع الأمل التي لا تنضب ولا تجف، وكلما ارتوى منها الناهلون فجَّرت فيهم الأمل والنور واليقين والثقة بالله، وإن من أعظم منابع الأمل التي ينهل منها العلماء المصلحون ورواد الأمة؛ المنابع التالية ـ حيث نستحضرها أشد ما تكون الحاجة إليها ـ:

أولاً: عقيدة القضاء والقدر:
فالله ـ سبحانه ـ خلق الخلق وكتب المقادير، بيده الملك، يدبر الأمر، لا معقِّب لحكمه، ولا راد لقضائه، أحاط بكل شيء علماً، قال ـ سبحانه ـ: {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59]، وقال: {وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً} [الجن: 28]، وقال: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، إن هذه العقيدة فجَّرت في نفوس الصحابة آمالاً فسعوا إلى تحقيقها، وجدُّوا في بلوغها، لم يثنهم عائقٌ، ولم يصدهم وهمٌ، ولم يرهبهم تهديدٌ، فغيَّروا الدنيا وسادوا بهذه العقيدة، وكانوا لمن بعدهم مصدر إلهام وعز يزرع الأمل، وينشر النور، ويبدد ركام اليأس.

ثانياً: حقيقة الحياة:
خلق الله الدنيا مرحلة بعدها مراحل، فليست نهاية المطاف، وليست محلاً لمقارنة المكاسب والخسائر، وليست الميدان الأخير، إنما هي اختبار وعمل، وكل ما فيها يؤول يوم القيامة إلى حساب؛ فجنة أو نار، قال ـ سبحانه ـ: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].

إن حس المؤمن ليختلف في نظرته للحياة وتقييمه لأحداثها عن الكافر الذي لم يحسب للآخرة حساباً في أعماله، وإن المؤمن ليتسامى بنظرته وهو يرى هذا العالم يتخبط بجهله كالصبي الذي يفرح ويحزن من أجل حلوى يظفر بها! وصدق الله إذ يقول: {زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [البقرة: 212]، {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِـمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْـحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إلاَّ مَتَاعٌ} [الرعد: 26]، وحينما يشتد الكرب ويخير المؤمــن بين دينــه ودنياه؛ فإن الأمـر عنده لا يقبل الجدل، فحياته رخيصة في سبيل الله، وهذا ما أعلنه السحرة يوم أن آمنوا بموسى فقابلوا تهديد فرعون بقوة الواثق وحسم الجازم، حيث قالوا: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْـحَيَاةَ الدُّنْيَا} [طه: 72]، إن المؤمن عظيم الروح، كبير القلب، كبير العقل حين ينظر إلى رسالته في الدنيا فيجدها معلقة بالله موصولة بأمره، محددة المسار، واضحة الطريق، غاية المؤمن أن يرضي الله فيتوجه إليه، ويسأله الصبر، ويستمد منه العون. فكيف يتسرب إليه اليأس وهو على نور من الله، {قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنقَلِبُونَ(125) وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَـمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ} [الأعراف: 125 - 126].

ثالثاً: انتصار المبدأ:
للمؤمنين مفهوم خاص للنصر، فانتصارهم مرتبطٌ بدينهم، فالمؤمن لا يقاتل حمية ولا عصبية، ولا ليقال شجاع، ولا لأرض ولا لقبيلة ولا لحزب، إنما يقاتل لتكون كلمة الله العليا، إن انتـصار المؤمـن انتصار دينـه، وانتصار دينـه انتصــاره، إنـه لا معنى عند المؤمنين لنصر لا يعز الله فيه الدين، وإنه لمعنى جلي للنصر ذلك اليوم الذي يدخل الناس فيه في دين الله أفواجاً، فحين ذكر الله أصحاب الأخدود الذين أحرقوا كل المؤمنين قال الله عن نهاية الطائفة المؤمنة: {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج: 11]، فسمى نهايتهم فوزاً ووصف هذا الفوز بأنه كبير. أي تميز للمؤمن بهذا المعنى العزيز المتفرد؟! إن البشرية لتقف صاغرةً أمام هذا المعنى الضخم الكبير، إنه معنى لا يزعزعه التهـديد ولا الترغيب، إنه معنى يوجه المؤمن نحو إيمانه وعمله الصالح، وأن يكون ذلك محط نظره الأول، وأن تكون أولويات حياته منطلقة من هذا الهدف من أجل تحقيق الفوز الكبير، وهذا حرام بن ملحان ـ رضي الله عنه ـ غلب عليه هذا المعنى، فلم يجد ما يفوه به بعد أن طُعن إلا أن يقول: «فزت ورب الكعبة»(1).
وبهذا يتحرر المؤمن من ربقة الجاهلية التي تحاصره بماديتها الضخمة من أجل طعنه برمح اليأس ونزع الأمل من قلبه؛ عسى أن يكلّ عن العمل لدينه، أو يمل من الثبات على مبدئه.

رابعاً: بشائر الصبر:
إن صبر المؤمنين ينبوع يحفظ لهم ثباتهم على الدين حتى ينجلي الكرب، وهم لم يتركوا من دينهم ما يلامون عليه، ومن أروع الأمثلة على ذلك حصار الشِّعب الذي دام ثلاث سنين والرسول صلى الله عليه وسلم يتحمل شدته ويشاركه في ذلك من معه من قومه، وينتهي الحصار ورسول الله صلى الله عليه وسلم صابرٌ ثابتٌ لم يترك شيئاً من دعوته، ولم يغير حرفاً من منهجه، ولم يحذف كلمة واحدة كانت تُغضب الكفار. إن الصبر بالثبات على المبدأ ثمرة عظيمة للصبر، ونصرٌ يسبق النصر.. {فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ} [الروم: 60].
ولذلك فإن المؤمن يسعد بصبره على مبدئه، وتطمئن نفسه بما جرى وبما يجري، حيث يستلهم فيضاً إلهياً يتنزل عليه بالسكينة والرحمة والبشرى، فما أعمقها من معاني تفجر في النفس ينابيع الأمل تحت مطارق المحن والبلوى، {الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ (156)أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْـمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156 - 157].

خامساً: النصر القادم:
إن ترقب النصر القادم الذي وعد الله عباده وعداً لا يخلفه في قوله: {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْـمُؤْمِنِينَ } [الروم: 47]؛ من أجلى ينابيع الأمل وأقواها، حيث تدفعه نحو العمل لدينه المنصور ومبدئه الظافر، وقوله: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِـحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [النور: 55]، لقد أعلنها صلى الله عليه وسلم في وقت الشدة لتشد أنظار المؤمنين إلى المستقبل المحتوم؛ مهما كان الواقع يفرض على الناس أقسى الظنون، فعن البراء ابن عازب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، وعرض لنا صخرة في مكان من الخندق لا تأخذ فيها المعاول، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم هبط إلى الصخرة فأخذ المعول فقال: بسم الله. فضرب ضربةً فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا. ثم قال: بسم الله. وضرب أخرى فكسرت ثلث الحجر، فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح فارس، والله! إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا. ثم قال: بسم الله. وضرب أخرى فقلع بقية الحجر، فقال: الله أكبر! أعطيت مفاتيح اليمن، والله! إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا»(1).

سادساً: حتمية الابتلاء:
وفي حتمية البلاء الذي كتبه الله على عباده منبع للأمل، فلا يدهش المؤمن بنزول البلاء، ولا ينهار ولا يحبط حين يواجه الكروب، إن تقرير حتمية البلاء يجعل المؤمن مترقباً للشدائد مستعداً لها ومدركاً لحكمتها، ومدركاً أنّ مقدرها هو القادر على دفعها، قال ـ سبحانه ـ: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْـجَنَّةَ وَلَـمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]، ولذلك كان الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يدركون هذا الأمر إدراكاً جيداً، فهم يبادرون في تحليل الموقف وفق هذا الاعتبار، قال الله عنهم: {وَلَـمَّا رَأَى الْـمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلاَّ إيمَاناً وَتَسْلِيماً} [الأحزاب: 22]، فكان قولهم في تلك اللحظة الأولى التي وقعت أعينهم فيها على مشهد الأحزاب معبراً عن نفسية تستوعب الحدث؛ دون أن تصاب بصدمة تفقد التوازن أو تصيب بالهلع والجزع أو يتسرب إليها اليأس، بل بكل ثقة وعزم يتم ربط الحدث بالوعد المترقب، وكان لهذا أثر بالغ في رفع المعنوية وزيادة الإيمان المتناسق مع التسليم لله ولرسوله. ولذلك قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:

والحق منصورٌ وممتحنٌ ========= فلا تعجب فهذي سنة الرحمن

وليس هذا الوعد بنزول البلاء مدخل لليأس والخنوع وترقب الإخفاق، وتوالي المحن، بل على العكس من ذلك، في الابتلاء حكم عظيمة وثمرات كبيرة اقتضت حكمة الله أن لا تحصل إلا به. ففي طياته منحٌ لا يعلمها إلا الله؛ فمنها تمييز الصف المؤمن، ورفعة درجات المؤمنين ومنازلهم في الجنة.

سابعاًًً: رصيد الفطرة:
في الناس خير ينمو وينتشر في مجالات شتى برغم انتفاش الباطل وصولته، فلا تكاد ترى شريحة من الناس إلا فيها مَنْ توجه إلى الله، ولا تكاد ترى مجالاً في الحياة إلا وفيه مشروع خيري؛ لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء والصغير والكبير والغني والفقير، إن شرع الله مهيأ أن يعرض على كل أحد مهما كان عصيانه وسلطانه، وكل إنسان مرشح للاستقامة على دين الله، حتى غير المسلمين فيهم إقبال على الدخول فيه، حيث يشعر الإنسان أن استقامته عليه عودة إلى فطرته.
إن دين الإسلام منذ أن انتشر في مكة لم يعرف الانحسار العددي، وهو الآن أسرع الأديان انتشاراً، إن رصيد الفطرة مصدر ضخم للأمل، يجدد للمسلم آماله وتطلعاته لمستقبل هذا الدين.

ثامناً: عمل المؤمن لا يضيع:
إن من أعظم منابع الأمـل عنـد المؤمنين أن أعمالهم لدينهـم لا تضيع مهما كانت، ومهما تنوعت، ومها خفيت؛ إن المؤمن بإخلاصه لله واتباعه لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم يكون حقيقاً لنيل الأجر من ربه، قال الله ـ تعالى ـ: {مَا كَانَ لأَهْلِ الْـمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِـحٌ إنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْـمُحْسِنِينَ (120) وَلا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً وَلا يَقْطَعُونَ وَادِياً إلاَّ كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [التوبة: 120 - 121].

تاسعاً: في التاريخ عبرة:

في التاريخ ينابيع للأمل، وأمثلة وعبر، تشعل في النفس ثقةً عميقة بالنصر، من غير تهور عاجل، ولا يأس قاتل، فالتاريخ مليء بالمتغيرات، لكن عجلة التاريخ ربما تمر على جيل كامل أو أجيال فيدركون أول الأحداث ولا يدركون آخرها، وهذا ما يجعل عجلة الإنسان الفطرية تسارع في استبطاء النصر، واستعجال الظفر، لقد عاش نوح ينتظر الفرج تسعمائة وخمسين عاماً، وفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة بعد إحدى وعشرين سنة مضت على البعثة، وهو نبي مؤيد بالوحي، بل إن كنوز فارس والروم واليمن لم تظفر بها أمته إلا بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، إنه درس التاريخ الأكبر، قال ـ تعالى ـ: {حَتَّى إذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْـمُجْرِمِينَ} [يوسف: 110]

وإن التاريخ لينادي اليائسين لينظروا في أحقابه.. كم دولة قويت بعد ضعف! وكم من أخرى ضعفت بعد قوة! قال ـ تعالى ـ: {الچـم« (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2)فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْـمُؤْمِنُونَ (4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ } [الروم: 1 - 5]، إن عجلة التاريخ تسير وفق سنن ربانية لا تتخلف. وفي التاريخ أحداث مؤلمة ومصائب جمة مرَّت على أقوام مضوا، فكأن التاريخ ينادي كل مصاب ومنكوب: حنانيك! فبعض الشر أهون من بعض، إن مع العسر يسراً، وإن بعد الكرب فرجاً.

إنه لا عجب بعد هذه الينابيع أن يحرّم الإسلام على أتباعه اليأس من روح الله، قال ـ تعالى ـ حكاية عن يعقوب ـ عليه السلام ـ: {وَلا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ } [يوسف: 87]، وقال ـ تعالى ـ حكاية عـن إبراهيم ـ عليه السلام ـ: {وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].

=========== منقول ================
==========


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بين منابر اليأس وينابيع الأمل
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات صرخة الاقصى :: ##### المنتديات الآسلامية ##### :: منتدى الآسلام العام-
انتقل الى: